Cookies management by TermsFeed Cookie Consent الموسيقى عبر التاريخ بين الرّوح والحسّ

القائمة الرئيسية

الصفحات

الموسيقى عبر التاريخ بين الرّوح والحسّ

 

الموسيقى

رؤية 

إنّ أيّ إيقاعٍ تألفه الأذن وينسابُ معها كما ينسابُ الماءُ بين أروقة النّهر... كفيلٌ أن يتسلّل دونما إذنٍ إلى تجاويف قلبك فيعمّرَ فيه قصرًا من الأحلام! إنّها أحلام اليقظةِ وتأمّلُ الذّات المبعوثِ من لحظةِ الآن والباقي فيها!

إنّها الموسيقى يا أخي، سحرُ السّمع الرّاقي، ولعبة المشاعر الخطرةِ، وسياحةُ الرّوح الحرّةِ في أبعادِ الأبعادِ وما فوق حدودِ الأراضين والبلاد.

فهل ذقت العطر مرّة كي أصفَ لكَ مذاقَ النّوتةِ الحلوِ مرّة والمرّ أخرى، حلوٌ كحلاوةِ الوصالِ بين حبيبٍ بعيدٍ وحبيبٍ مشتاق وقدرهما الفراق، مرٌّ كمرارةِ المسافةِ الّتي أبدًا تجمعهما بحبلٍ من نورٍ لامرئيّ ولا وجود له إلّا في كيانهما.

الموسيقى هي ولادة نغمِ الطّيرِ من رحمِ فجرٍ مجنونٍ هائمٍ بشمسه المحترقة بجمر الانتظار..

الموسيقى ترقرق الجدول الهادر في عبابِ الأرضِ الغاضبِ أبدًا في رحلتهِ نحو أبيهِ البحرِ..

الموسيقى همسُ الشّجرِ إذ يبوحُ للرّيحِ بأسرارِ الوجودِ في خلوةٍ ربّانيّةٍ ترسلُ بالحفيفِ كي تخفي مكنون الكلمِ..

الموسيقى ثغاء خرافٍ قطعتْ أميالَ السّهول والرّوابي لتبعث السّكينة مع وقع أجراسها في قلبِ كلّ كائنٍ وفي كلّ حبّة رملٍ أو زرّ وردٍ يولد للتوّ..

الموسيقى هي أنا وأنتَ عندما يعصمنا الصّمتُ ونبدعُ في إدراكنا فتتنحّى الكلمات عن أداء دورها ويمتثلُ النّغمُ بحروفه الذّهبيّةِ ليرسمَ الحبّ والغضبَ والخوف والإقدام بلغة أخرى أشبه بالخيال!

آلات موسيقيّة

الموسيقى عبر التاريخ

تعتبر التّجربة الموسيقيّة مُلازمة للإنسان منذ وجوده على الأرض،فقد أتقن المصريّون فنّ العزف على الآلات من 5000 عام، وتُشير الجداريّات القديمة إلى أنّ المصريّين  لعبوا مجموعة واسعة من الآلات الإيقاعيّة والوتريّة.

بينما ركّز العرب في العصر الجاهليّ على الموسيقى لأمور دنيوية كالاحتفالات وغيرها ولم يستخدموها في عباداتهم كما فعل الغرب بحيث لم يكن لديهم أيّ دين يجمعهم وقتها.

واشتهر سوق عكاظ بمباريات تقام بين موسيقيّين ومغنّين وشعراء تباروا في أروع ما قدّمته قرائحهم.

وفي بلاد كنعان(لبنان  سوريا  فلسطين) ظهراستخدام المزمار في الرّحلات والأسفار، ومنها مزامير داوود النبيّ في التّراث العبراني آنذاك.وقد ذكرت التّوراة  الأبواق المصنوعة من قرون الماعز،وآلة القيثارة الّتي اقتبسوها من الشّعوب المجاورة.

وقد قدّر اليونان الموسيقى وكانت من مهامّ الدّولة،واعتبر الموسيقيّ شخصًا مثقفًا ذا مقامٍ مرموقٍ عكس غير الموسيقيّ. ولا يمكن أن نغفل عن "نشيد أبولو" الّذي وُضع عام 300 ق.م وتمّ اكتشاف أجزائه متفرّقة في معبد دلفي.ومن آلاتهم (القرع- النّفخ – النّاي فالبوق- القيثارات المصنوعة من أمعاء الضّأن.

أمّا عند الرّومان الشّعب الزّراعيّ فقد انحدرت الموسيقى من مستوى الأدب والشّعر والذّوق الفنّي الرّفيع إلى مستوى أقلّ بكثير يختلط فيه المجون مع أجواء حلبات السّيرك وملاعب المسابقات ومصارعة الأسود عبر رمي العبيد ليكونوا فرائس لهم بشكل وحشيّ قذر إذا صحّ التّعبير.

نصل إلى حضارة شرق آسيا وتحديدًا الهند الّتي ارتبطت بالموسيقى ارتباطًا قويًّا، فكانت آلاتهم منذ القدم متقنة الصّنع، مرصّعة بالجواهر، تخالها مقدّسة! المزامير، الأبواق، الطّبول، "تمبورة" أو قيثارة وهناك آلة مرهفة الحساسيّة متميّزة تسمّى "فينا" وهي آلة وترية. ويمتدّ تاريخ الموسيقى لدى الهنود لثلاثة آلاف عام على أقلّ تقدير..

قانون


الموسيقى والرّوح

إذا تجوّلتَ في أرجاء الحضارات كلّها تجد أنّ تفاعلًا ما وتبادلًا كان يتمّ بشكل لاإرادي بينها وهذا واقعٌ محسوم.

كما تجد أنّ الموسيقى ولدت في كلّ حضارة من الحضارات كتعبير روحي مقدّس عن علاقة الإنسان بالخالق أو الله أو الرّبّ أو النّور الأسمى.ويدلّ على ذلك أنّما الموسيقى وجدت لتأدية تلك الطّقوس والشّعائر الغنائيّة الوجدانيّة الموصلة للأعلى!

فالهنود جعلوا الاستماع للموسيقى بحدّ ذاته فنًّا يحتاج إلى تدريبٍ طويلٍ للأذن والرّوح.

إذًا، كانت الموسيقى على ارتباطها الوثيق بالرّقص والأدب والشّعر مجموعة من الطّقوس العباديّة الرّاقية الّتي تساعد على تهذيب الذّوق والنّفس.

الموسيقى والحسّ

كما رأينا قبل قليل عند الرّومان أنّ الموسيقى انحدرت لديهم إلى مستوى دونيّ يرتبط بالشّهوة بدلًا من التّأمّل الرّوحيّ، وبالمصارعات والحروب بدلًا من الشّعر والقصائد، وبالأغاني الماجنة بدلًا من الأناشيد الرّوحيّة الصّوفيّة العميقة، وبالقسوة والبطش والقتل بدلًا من الرّهافةِ واللّطفِ والمحبّة السّامية.

من هنا نتبيّن كيف أنّ نوع الموسيقى ودورها وقيمتها ترتبط ارتباطًا مباشرًا بثقافة شعبها وتوجّهاتهم وتعكس بالتّالي شخوصهم ونفوسهم والدّرجة الّتي وصلوا إليها في مراتب الإنسانيّة.

الموسيقى اليوم

إذا تجوّلنا سويًّا في العصور الوسطى نجد أنّ الموسيقى ارتبطت بأوضاعهم الحياتيّة، الدّين والتّرفيه والحرب والسّلام... وظهرت آلة الفييل أي الفيول اليوم،أو الكمان الحديث،

الهارب، السّنطور،الفلوت والريكرودر وغيرها...

أمّا اليوم فقد وصلت الموسيقى إلى أوجها بعد تلك الرّحلة القائمة عبر العصور، تلك الرّحلة الّتي كانت تراوح فيها الموسيقى عنايتها بالدّين، والدّنيا بكل ّ ما يتفرّع عنهما من اهتمامات ، لنصل إلى أعلى مستوى روحيّ إذ تهدف الموسيقى اليوم لخلق الإلهام الفنّيّ

والاسترخاء والتّفاؤل.

إنّ الموسيقى مرافقة لجلسات التّأمّل واليوغا والتّدليك والقراءة ،ووسيلة للتّعامل مع الضّغوط.

إنّ آلات اليوم هي نتاج كلّ الحضارات وقد تطوّرت عبر الزّمن لتحصل على شكلها الحاليّ الّذي نعرفه اليوم.


كمان

الموسيقى والدّين

لم تبتعد الموسيقى عن الدّين فكانت ملازمة له على مرّ العصور لأنّها ببساطة وسيلة مهمّة من وسائل التّعبير الرّوحيّ كالصّلاة والدّعاء، فأقدم الشّعوب على الإطلاق قدّمت  لآلهتها تراتيل وأغانٍ شكّلت طقوسًا عباديّة، وسرح البوذيّون في عالم التأمّل من خلالها، كما ارتبطت التّوراة والإنجيل بالأصوات والنّغمات النّابعة من الرّوح وكذلك القرآن الّذي رُتّل ترتيلًا!

لقد ظُلمت الموسيقى ظلمًا كبيرًا من قبل الأديان أو رجالهم على وجه الخصوص، عبر تحريمها، نظرًا لانحراف النّاس وفي كلّ عصرٍ من منحى روحيّ سامٍ إلى منحى دنيويّ بحتٍ غارقٍ في الشّهوات ومرتبطٍ بالسّكر والعربدة، ناسين ذلك الدّور الرّائع الّذي أدّته تلك الموسيقى في رفع المستوى الرّوحيّ وإضفاء الجمال والرّهافة الشّعوريّة، والمساعدة على التّأمّل والصّفاء الذّهنيّ والتّخلّص من الأمراض النّفسيّة كما سنرى بعد قليل.

إنّ الموسيقى سلّمٌ لامرئيّ ينقلك من عالم المادّة إلى عالم الرّوح ويضفي الهدوء والسّكينة والسّعادة على حياتكَ ويجعلها أكثر سلامًا.

 

الموسيقى المنحلّة

وهنا يأتي السّؤال: هل من موسيقى رديئة سيّئة تضرّ بنا؟

والجواب نعم! فكما أنّ هناك موسيقى تساعد على الاسترخاء وتعطي السّكينة وتحفّز على الفرح والتفاؤل والنشّاط، هنالك موسيقى خطرة جدًّا تسبّب الاكتئاب وقد تصل بالمرء إلى الانتحار إذا ما تملّكت به.وهناك موسيقى تحفّز على الحروب والقتل والتّدمير وتثير مشاعر سلبيّة وغرائز جامحة.

فوائد وأضرار الموسيقى

نستنتج أنّ الموسيقى قد تكون علاجًا، وقد تصبح السّمّ الزّعاف، وذلك بحسب الرّسالة الشّعوريّة الّتي تحملها والّتي تؤثّر على الأعصاب والدّماغ بشكل أسرع ممّا تفعله الصّورة أو الكلمة لذا كانت سلاحًا ذا حدّين، خطرًا بالفعل، يحتاج من يجيد حمله واستخدامه، من هنا نتبيّن ربّما الدّافع الّذي جعل رجالات الدّين يتّجهون نحو تحريم الموسيقى في وقت من الأوقات، باستثناء تلك الدّينيّة أو الحماسيّة الّتي تشجّع على القتال!

العلاج بالموسيقى

نظرًا لأثر الموسيقى القويّ على النّفس البشريّة ظهر مصطلحٌ جديدٌ- قديمٌ في عالم العلاج النّفسيّ وهو العلاج بالموسيقى. فقد عرفه الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو، وظهر في أميركا منذ العام 1944، وقال الرّازي إنّ أفضل علاج للماليخوليا هو الغناء والتّنغيم،والكندي قال إنّ كلّ وترٍ وتنغيمه وإيقاعه يؤثّر على منطقة ما في جسم الإنسان.

واليوم يحظى هذا العلاج بشعبيّة كبيرة لقدرته على تحفيز الطّاقة الإبداعيّة، وزيادة التّركيز والقدرة على التّذكّر،واستخراج العواطف الدّفينة لعلاجها، وهو يحسّن المزاج،يحدّ من القلق، يخفّف الألم، ويحدّ من مرض التّوحّد كما يحسّن نوعيّة النّوم والتّناسق الحركي لدى المصابين بباركنسون.

ناي

آلات موسيقيّة ترتبط بالتـّأمّل:

إنّ الآلات الموسيقيّة لا تحصى بأسمائها ومهامّها وقد اخترت الحديث في هذا المقال عن تلك الّتي ترتبط بمواضيع مساحة وعي أي بالتّـأمّل بالطّبع:

الموسيقى الصّوفيّة هي موسيقى تعبّديّة روحيّة مستوحاة من أعمال شعراء صوفيّين أمثال جلال الدّين الرّومي وحافظ الشّيرازي، ومن أبرز آلاتها الدّفوف والنّقارة،النّاي ،العود والقانون، ويعتبر الصّوت بحدّ ذاته موسيقى في الإنشاد الصّوفيّ لتوجّهه الرّوحي نحو الواحد.

 من فيديوهات مساحة وعي مع علي اخترت لكم:


خاطرة

أيّها النّاي الحزين ألا أخبرتني عن حالي؟

ما أنا وماذا دهاني ؟ ألا أيّها النّاي....

أحزينٌ أم سعيد؟

أقريبٌ أم بعيدُ؟

هل أنا علّة آلامي كلّها؟

أم أنا لنفسي الطّبيب؟

ما لي كلّما قلتُ نجوتُ...

أسقطُ... أهو النّصيب؟

أم ذاك ما جنتهُ أفكاري وبناتها

إذا ما تحلّقنَ والعقلُ مجيبُ

كلّما قلتُ فرحتُ جاءني الأسى

يهمسُ لا تفرحْ...

فما هذا الوضع الغريب؟

يا ناي أعلمُ ما تقولُ بعزفكَ الحاني

فأنا إذا عشتُ الهُنا كان الهَنا

وأنا إذا قلتُ أنا ضاع المُنى

وأنا إذا بتُّ هو جنّ الهوى

وإذا جنّ الهوى كنتُ الحبيبُ

كان الحبيبُ

أيّها النّاي الحزينُ ألا أخبرتني عن حالي؟

سكر الحبُّ من كأسِ الدّجى

ثملَ الفؤادُ

قرُب البعادُ

رقّ الودادُ

فها أنا كلّي هو فاعزفْ له

واعزفْ لنا

وارشفْ من الصّبح النّدى

وارقصْ معي حول أوهام العدا

يُفني العداوة حبٌّ ماثلُ في أوردة المدى

ألا أيّها النّاي الحزين

 


تعليقات

محتوى المقال (انقر للتنقل)