Cookies management by TermsFeed Cookie Consent الازمة الروسية الاوكرانية و حرب القمح- الأسرار والأزمة المركبة

القائمة الرئيسية

الصفحات

الازمة الروسية الاوكرانية و حرب القمح- الأسرار والأزمة المركبة


الأزمة الروسية الأوكرانية هي نزاع عسكري مستمر ، ولا سيما في شرق أوكرانيا. حيث تشكل روسيا وأوكرانيا معاً ما يقرب من ثلث صادرات القمح العالمية. ومع ذلك، في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، أصيبت سلاسل التوريد الحيوية بالشلل، وستؤثر الحرب على أسواق الحبوب العالمية بشكل أكثر حدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع احتمال حدوث آثار اقتصادية وسياسية مدمرة، ومن أهم تلك الآثار ما تلعبه حرب القمح في الأزمة الروسية الأوكرانية والأزمة المركبة من دور في ارتفاع أسعار الغذاء حول العالم ولا سيما القمح الذي يعتبر الغذاء الرئيس لمعظم سكان الكرة الأرضية.

أزمة القمح

المجاعات ودور التجارة العالمية في إيجاد الحلول:

فيما مضى كانت الدول تعتمد على ما تنتجه وخاصة في المجال الغذائي لسد حاجة شعوبها من الغذاء، الأمر الذي كان يؤدي في حال ضعف المحصول أو أي كارثة طبيعية إلى نقص الغذاء، كما أن لزيادة النمو السكاني دور في زيادة الضغوط بهذا الاتجاه، وكثيراً ما كان يشهد العالم مجاعات في الدول، ففي فرنسا على سبيل المثال في عام 1649 حصلت مجاعة كبيرة أودت بحياة 3 مليون شخص الذي ماتوا حرفياً من الجوع، وكمثال آخر ليس ببعيد في خمسينيات القرن الماضي قام الرئيس الصيني زعيم الحزب الشيوعي بطرح سياسة لتحويل الصين إلى دولة صناعية من خلال استيراد الآلات من الاتحاد السوفيتي مقابل الغذاء ولاسيما الأرز والقمح وقد سميت هذه السياسة بـ (القفزة الكبيرة إلى الأمام) ونتيجة عدد السكان الكبير لدى الصين وانخفاض وتراجع المحاصيل الزراعية في بعض السنوات وتصدير حجم كبير من المواد الزراعية وفقاً لتلك السياسة التي لم تبنى على دراسات جدية في ظل تلك الظروف، فقد أدى ذلك إلى مجاعات في بعض المناطق في الصين أودت بحياة 20 مليون شخص.

إلا أن تطور التجارة العالمية وظهور منظمة التجارة وانخفاض تكاليف النقل وسهولة حركة رؤوس الأموال والتحويلات المالية، كل ذلك أسهم في قيام الدول بالاعتماد على بعضها البعض في تأمين احتياجاتها.

فعلى سبيل المثال نجد أن الهند المنتج الأول للأدوية في العالم، وبنفس الوقت فإنها تستورد العديد من المواد الأولية اللازمة لصناعة الدول، كما نجد أن الصين وعلى الرغم من أنها من أكبر منتجي القمح إلا أن هناك فجوة بين الإنتاج وما يستهلكه الشعب الصيني، حيث تقوم الحكومة بسد هذه الفجوة من خلال الاستيراد، وبالتالي شهدنا انخفاض حجم المجاعات التي قد تودي بحياة البشر.

بيد أن المشكلة تكمن عند زيادة الاعتماد على الغير في تأمين الاحتياجات وخاصة في المجال الغذائي، ذلك أن أي أزمة، كما حصل في أزمة كوفيد 19 التي أوقفت حركة التجارة وأدت إلى توقف سلاسل التوريدات، أو أي نزاع سياسي أو عسكري، قد يهدد بعودة تلك المجاعات.

أسباب أزمة القمح القادمة:

يرى البعض أن سبب الأزمة القادمة في الغذاء ولاسيما القمح يعود إلى الحر الروسية الأوكرانية، ويلقي المحللون اللوم في ذلك على روسيا وحصارها للموانئ الأوكرانية أو ضربها أو حرقها للأراضي الزراعية الأوكرانية، كما هو الحال بالنسبة للمجلس الأطلسي حين نشر مقال بعنوان "غزو بوتين لأوكرانيا يهدد بحدوث أزمة قمح عالمية" في آذار من هذا العام، وعلى الرغم من إيراد المقال للعديد من الأسباب والمبررات التي تحل روسيا مسؤولية الأزمة القادمة، إلا أننا يجب أن نحلل المشكلة بعيداً عن أي أهداف سياسية حيث نجد أن هناك العديد من الأسباب الأخرى إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية كان لها دور في خلق هذه الأزمة يمكن بيان أهمها في الآتي:

قبل البدء باستعراض الأسباب المختلفة لأزمة القمح القادمة لابد من بيان أكبر الدول المصدرة للقمح، حيث نجد أن روسيا تتصدر القائمة بـ 20% من الصادرات العالمية للقمح يليها الاتحاد الأوروبي بـ 15%، ثم كندا بـ 14%، ثم أمريكا بـ 13%، تليها استراليا بـ 10%، ثم أوكرانيا بـ 8%، والأرجنتين بـ 5%، ومن هنا نجد أن روسيا وأوكرانيا تصدران ما مجموعه 28% من اجمالي صادرات القمح العالمية أي ما يقارب ثلث حجم التصدير.

تراجع غلّة المواسم في الدول المنتجة للقمح:

حيث نرى في هذا الصدد أن الأرجنتين قد أصابتها موجة من الجفاف والقحط في بعض المناطق الزراعية لديها الأمر الذي أدى إلى تراجع حجم الإنتاج من القمح، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع حجم صادراتها وذلك أن الموسم سيكون لسد حاجة البلد من المادة، ومن ناحية أخرى نرى أن استراليا على الطرف المقابل قد عانت من فيضانات مخيفة هذا العام الأمر الذي دمر حجم كبير من المحاصيل الزراعية ولاسيما القمح، حيث يكفي الإشارة إلى أن حجم الأمطار التي هطلت خلال الشهر الأول من العام يعادل حجم الهطولات المطرية في العام السابق مجتمعة، الأمر الذي سيؤدي ليس فقط إلى انخفاض حجم الصادرات الأسترالية من القمح بل لربما قد تحتاج استراليا إلى استراد كميات إضافية لتلبية حاجة السوق المحلية، وكذلك الأمر حصل في الصين، فعلى الرغم من أن الصين لا تعتبر من المصدرين لمادة القمح إلا أنها تعتبر أكبر دولة مستهلكة له، حيث أن تأخر الهطولات المطرية في الصين أدى إلى تأخر زراعة حوالي ثلث 1/3 مساحة الأراضي المخصصة لزراعة المحاصيل ما يعني تراجع حجم المحصول حوالي 20% مما كان عليه في الموسم الماضي، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار حجم الاستهلاك الكبير لدى الصين من جهة وحجم الاحتياطي الأجنبي لدى الصين الذي يزيد عن 3 ترليون دولار ورغبة الحكومة في توفير القمح للشعب الصيني من جهة أخرى، فإن ذلك يعني أن الحكومة الصينية على استعداد لدفع مبالغ كبيرة للحصول على حاجة السوق المحلية، الأمر الذي سيولد ضغوط سعرية على القمح.

فرض قيود على صادرات القمح من قبل حكومات بعض الدول المنتجة للقمح:

في نيسان من هذا العام وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي للولايات المتحدة الأمريكية، صرح رئيس الوزراء الهندي مودي بأن الهند قادرة على زيادة صادراتها من الحبوب وأن لديها محصول يكفي لإطعام 1.400 مليار شخص في الهند وما يزيد عنه فإنها على استعداد لتصديره إذا ما سمحت منظمة التجارة العالمية بزيادة حصتها التصديرية من القمح، وعاد ليؤكد خلال زيارته إلى ألمانيا في بداية شهر حزيران أن الهند ستطعم العالم، وأن المزارع الهندي سيتكفل بذلك.

إلا أن العالم تفاجأ في 13 حزيران بقرار وزارة التجارة الهندية بفرض قيود على صادرات القمح من الهند، وذلك بعد دراسة ارتدادات الأزمة المحتملة وارتفاع أسعار القمح إلى مستويات قياسية، مما يعني أن أي حاجة للهند من القمح لاحقاً ستضطر إلى شراءه من الأسواق العالمية بأسعار باهظة، الأمر الذي قد يضر بالأمن الغذائي الهندي وفق لما أشارت له شبكة Bloomberg وهي شبكة تلفزيونية مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية تركز على برامج الأعمال وسوق رأس المال.

ولم تكن الهند هي الدولة الوحيدة التي أصدرت مثل هذه القيود بل إن العديد من الدول الأخرى مثل الأرجنتين وغيرها أصدرت مثل هذه القيود للحفاظ على أمنها الغذائي، الأمر الذي دفع مؤشر أسعار القمح إلى مزيد من الارتفاع.

الازمة الروسية الأوكرانية:

لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير للازمة الروسية الأوكرانية في تعميق أزمة القمح القادمة، وهناك العديد من الدلائل على ذلك، يكفي الإشارة إلى أن حجم الصادرات الأوكرانية قد انخفض إلى أدنى مستوى له خلال هذه الحرب بسبب الحصار المفروض على الموانئ الأوكرانية من قبل روسيا وخاصة في البحر الأسود، حيث يتدفق ما يقرب من 80٪ من صادرات الحبوب الأوكرانية عبر موانئها الجنوبية الغربية في أوديسا وبيفديني وميكولايف وتشورنومورسك إلى البحر الأسود، وحتى لو تمكنت السفن من العثور على مكان لرسو وتحميل شحنات الحبوب السائبة (التي يفشل معظمها في القيام بذلك)، فإن التأمين إما يكون باهظ التكلفة أو غير متاح لاستمرار الرحلة، مع الإشارة إلى أن جميع الموانئ الأوكرانية وقعت تحت سيطرت روسيا أو تم محاصرتها بشكل خانق، وأن 99% من صادرات الحبوب في أوكرانيا تتم عن طريق البحر، ولا سيما ميناء أوديسا المحاصر، الذي يعتبر أهم ميناء في أوكرانيا والعالم تقريبا، وذلك لعدة أسباب منها ما يتعلق بأوكرانيا نفسها ذلك أن 75% من صادراتها تتم عبر هذا الميناء وأن هذا الميناء تتم عن طريقه تصدير معظم صادرات الحبوب وذلك لقربه من الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة القمح والذرة وقربه من صوامع ومخازن الحبوب الأوكرانية، فضلاً عن ربطه بشبكة من السكك الحديدية التي تنقل عبرها الصادرات من الداخل الأوكراني إلى هذا الميناء.


ومن جهة أخرى تكفي الإشارة إلى أن حجم الصادرات الأوكرانية الشهرية من الحبوب والزيوت في الشهر من العام الماضي بلغ حوالي 6 مليون طن، إلا أن هذا الحجم انخفض إلى 200 ألف طن خلال شهر آذار من هذا العام، ما يعني أن الحبوب الأوكرانية مكدسة في الصوامع الممتلئة بما يعادل 25 مليون طن معدة للتصدير، ما يعني أن الإنتاج الجديد من هذه الحبوب لن يكون لها مكان للتخزين إذا ما استمر عدم التصدير على هذه الحال حتى نهاية الصيف ووقت الحصاد.


وعلى الرغم من محاولة إيجاد طرق بديلة للتصدير إلا أن ذلك غير ممكن بشكل المطلوب، فعلى سبيل المثال في 29/4/2022 نجحت أوكرانيا في تصدير أول شحنة من الذرة منذ بداية الحصار إلى اسبانيا عن طريق رومانيا من خلال نهر الدانوب حيث بلغ حجم الشحنة 71 ألف طن من حبوب الذرة، إلا أن هذا الحل غير مجدي فعلاً لعدم وجود صنادل بحرية كافية للنقل عبر نهر الدانوب.


ومن جهة أخرى لا يمكن الاستعانة بموانئ الدول المجاورة ولا سيما بولندا، حيث يتوجب لذلك نقل المحاصيل عن طريق السكك الحديدية من شرق البلاد إلى غربها، وهنا توجد مشكلتين الأولى تتمحور حول مدى سلامة وصول الشحنات في ظل الحرب وتخريب شبكة السكك الحديدية، أما المشكلة الثانية والأهم تكمن في نظام السكك الحديدة في كل من أوكرانيا وبولندا أو الاتحاد الأوربي عامة، ذلك أن عرض السكك الحديدية في أوكرانيا تم تصميمه على أساس النظام السوفيتي حيث تبلغ المسافة بين قضيبي السكة الحديدية 152 سم، في حين أن هذه المسافة في بولندا والاتحاد الأوربي تبلغ 143.5 سم، ما يعني أن الشحنات ستصل إلى الحدود ليتم إعادة نقلها إلى القطارات البولندية ليصار إلى شحنها إلى موانئها، وهو أمر يحتاج إلى وقت وتكاليف باهظة.


أما من الجهة الروسية، والتي تعتبر أكبر مصدر للقمح نجد أن العقوبات الاقتصادية أثرت بشكل كبير على إمكانية تعامل شركات النقل البحري خوفاً من أن تطالها العقوبات، فضلاً عن حظر التحويلات المالية فيما عدا تلك الخاصة بالطاقة، وتكفي الإشارة إلى أن انخفاض صادرات القمح الروسي نتيجة اختيار التجار عدم المشاركة في السوق الروسية. بالرغم من أن المواد الغذائية لا تخضع للعقوبات، إلا أن التجار والبنوك يترددون في تسهيل التجارة من روسيا خوفاً من تغريمهم من قبل الحكومات الأجنبية، أو التعرض للعار من قبل الصحافة الغربية، كما شهدت روسيا أيضاً أقساط تأمين عالية بشكل استثنائي على الشحن، حيث قفزت المعدلات بنسبة 400٪ على الأقل، من معدل تقديري قبل الغزو بلغ 0.025٪ إلى ما بين 1٪ إلى 2٪، لتصل إلى 5٪. إن تكاليف التجارة مع روسيا باهظة للغاية.

قدرت AgFlow، وهي شركة لبيانات المحاصيل، أن حوالي 73 سفينة زراعية فقط غادرت من الموانئ الروسية خلال الأسبوعين الأولين من شهر مارس، بانخفاض من حوالي 220 سفينة خلال نفس الفترة الزمنية من العام الماضي.

وبالمحصلة نجد أن أسعار القمح ارتفعت بنسبة 45% في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام وفقاً لمؤشر أسعار القمح لمنظمة الأغذية والزراعة في حين وصلت الزيادة السعرية إلى ما يزيد عن 54%، مع العلم بأن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت بنهاية شهر شباط ولم تكن آثارها في هذا المجال قد بدت، وهو ما يشير إلى أن الأزمة الخاصة بالقمح أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل مختلفة وليس فقط الحرب الروسية الأوكرانية.

ارتفاع أسعار الأسمدة كأحد مسببات ارتفاع أسعار القمح:

في الواقع فإن الارتفاع الكبير في أسعار القمح يعود في أحد أسبابه غير المباشرة إلى ارتفاع أسعار الغاز من جهة، وإلى العقوبات المفروضة على روسيا من جهة أخرى.

وبتحليل ذلك نجد أن ارتفاع أسعار الغاز أدى إلى زيادة تكاليف انتاج الأسمدة وخاصة الأمونيا يويريا مما رفع من أسعار هذه الأسمدة، ومن جهة أخرى نجد أن روسيا تعتبر من أكبر المصدرين للأسمدة حيث يبلغ حجم صادرات روسيا من الأسمدة الزراعية حوالي 15% من حجم الصادرات العالمية وبسبب العقوبات المفروضة على روسيا وتخوف التجار من التعامل مع الجانب الروسي بسبب العقوبات، فإن ذلك ساهم في رفع أسعار الأسمدة بسبب نقص المعروض منها على الساحة العالمية، وهو ما أدى إلى زيادة تكاليف زراعة القمح، مما أدى بشكل غير مباشر إلى ارتفاع أسعار القمح.


وفي الخاتمة لابد من الإشارة إلى أن آثار الازمة الروسية الاوكرانية المقبلة سيطال كل دول العالم ولاسيما منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي يعتمد العديد من دولها على الصادرات الأوكرانية والروسية لتأمين حاجات السوق المحلي من القمح، وهو ما أشرنا إليه من خطورة التمادي في الاعتماد على الغير في تأمين الاحتياجات الوطنية ولاسيما الغذائية، الأمر الذي يشير إلى ضعف الأمن الغذائي لدى هذه الدول وعدم التخطيط الاستراتيجي في هذا المجال.

إن ما تم الإشارة إليه وبعيداً عن أي تحزبات سياسية إنما يشير إلى أزمة مركبة تحتاج الوقوف ملياً عندها، كما تمثل فرصة في حال تجاوزها لتلك الدول لإعادة صياغة استراتيجياتها في الأمن الغذائي من جهة، وحاجة البشر في جميع دول العالم إلى التنبه لمخاطر الأزمات الغذائية المقبلة وضرورة التحضر لها وزيادة الإنتاج الزراعي وإيلاء الرعايا الكافية في هذا المجال من خلال تخفيض الاستهلاك ودعم الزراعة، وعدم الانتظار لحين وقوع المجاعات للتنبه لمدى الخطورة التي تحدق بالعالم.

ومن جهة أخرى نجد أن الغذاء بات سلاح يمكن للدول استخدامه في الحروب مثله مثل أي سلاح فتاك آخر، وعلى دول العالم أن تسعى لحل النزاعات بأقل الخسائر الممكنة ذلك أن القوى السياسية الكبرى تتصارع ولكن الخاسر الأكبر هي تلك الدول الفقيرة والنامية التي ما زالت تعتقد بأن القانون الدولي والمعاهدات وغيرها من المنظمات الدولية قادرة على حمايتها في وقت الفاقة أو الأزمات ولاسيما الغذائية والصحية منها.

 

تعليقات

محتوى المقال (انقر للتنقل)